الخرانة

الخرانة قصر اموي في وسط الصحراء الاردنية ، الى الشرق من عمان على بعد 90 كيلومتر من بيتي في عمان، يقف وحيداً هناك بكامل هيبتة الاموية على طريق الحجاج قديماً والقادمين من ارض الغربة حاملين معهم احلامهم بالعودة الى وطنهم الحبيب

جاء اسم القصر بالخرانة نسبة الى ارنب الخرانة الذي يعيش هناك بكثرة، حيث كنا نصطاده بعد الربيع وفي بدايات موسم الصيف وازهار نبات الشيح والقيصون بين حجارة الحرة كما يسميها اهل المنطقة والتي تمتد حتى اطراف الشام وكانها ثوب ازرق يغطي تلك الرمال ،منذ الاف السنين حين كانت تنطلق من بعض البراكين القريبة من منطقة الازرق والتي تبعد عن القصر ما يقارب من 35 كيلومتر

يرتفع القصر 670 متر عن سطح البحر، واختار الاموين موقع القصر بشكل يكون مشكوف للعيان وسط الصحراء ليتمكن المرتحلون من الاستدلال علية، حين امر الوليد بن عبدالملك ببنائية في عام 710 م، ليكون نقطة استراحة لحجاج بيت الله الحرام، واستراحة للاموين حال ترحالهم الى بلاد الشام

ويدل على ذلك كتابات على احدى واجهات القصر الداخلية، ويقال ان اساسات القصر بنيت قبل ذلك ولم يحدد العصر ولا الباني

ما بين مدخل الزوار وباب القصر ما يقارب الثلاثمائة متر تسيرها على الاقدام تحت لهيب الشمس وانت تنظر الى القصر ولا تريد ان ترمش عينك عنه من جمال روعة وعظمة بنائة، فهو مربح الشكل بطول اضلاع 35 متر من كل جهة، يدعم جدرانه ابراج اسطوانية الشكل ، ثلاثة ابراج من كل جهة ما عدا واجهته الامامية التي تنفتح الى الجنوب.

بني القصر من حجارة غير مشذبة بالكامل معشقة بعضها ببعض بطين تلك المنطقة وبعض جدران يزيد سمكها عن المتر ونصف ، الا ان اطراف واجهتة الشمالية تاثرت بعوامل الطبيعة وانهار اجزاء بسيطة منها، ومع ذلك بقي القصر يحتفظ بشكلة السابق كانه هجر امس

يتكون القصر من طابقين رئيسيين ويحتوي على 61 غرفة تختلف في تصاميمها حسب الاستخدام، فمن اسطبلات الخيول والخدم في الطابق الاولى الى غرف الضيافة والمعيشة في طابقة الثاني، والعديد من الاروقة والممرات التي تفضي بعضها الى بعض.

الطابق الاول كما يظهر في الصورة بني على عقود حجرية صلبة لتحمل الطابق الثاني

وما يميز هذا الطباق ان فتحات الانارة كانت على مستوى السقف مباشرة

وبين الظلال والنور يسحرك المكان ويزيل عنك تعب المسافة ومشقة السفر اليه
وكأنه يذكرك بلوحات المستشرقين ومدرسة الظل والضوء ورسومات رامبرانت

ومنها تدخل الى الساحة الرئيسية

ولتصل الى الطابق العلوي هناك درجين على يمين ويسار الساحة
يتخللها نور بعد زاوية ظلمة وكانك تدخل مستقبل بعد تاريخ غابر في الزمان

هناك تقف... وتتأمل بناظريك ما بين جمال العقود وبرودة المكان وسط لهيب الصحراء

وفي اعتقادي ان بناء القصر تاثر بالفن الفارسي بذالك العصر كون العقود تحمل على ثلاثة اعمدة من كل جانب يتوسطها اقواس

ومعظم قاعات وغرف الطابق الثاني تتشابة تقريبا من حيث اسلوب البناء والتصميم

القصر بسيط من حيث الزخارف التي كانت محدودة وكلها شكلت بواسطة الطين دون استخدام الفسيفساء او رسومات الجبس التي كانت شائعة في تلك المنطقة من بلاد الشام

شادي صديقي وقف بين الابواب يتأمل السقوق وسحرته الانارة وكانه لا يريد ان يغادر المكان واستذكرني بايام التخيم واقترح علي لو انه باستطاتتنا المبيت فيه ليلة

اسلوب الترميم خصوصا في القصارة حافظ بعض الشئ على النمط الذي بني علية القصر وكما يظهر انها تمت باسلوبها الاول التقليدي باليد والادوات البسيطة وكثيرا ما شاهدنا بصمات اصابع لم نستطيع تحديد عصرها اهيا اموية؟ ام من عصرنا هذا!

الجميل في القصر انه حافظ على طابعة ولم يدخل علية اي اسلوب بناء ولم يتأثر بما بعد العصور الاموية، فهو فريد في بناءه وتكوينه

وما يلفت الانتباه ان كافة الغرف كانت تفضي على الساحة الرئيسية للقصر

وفي الطابق الثاني وفي جدران كل غرفة هناك ثلاثة فتحات صممت اثنان منهما للنور والتهوية بطريقة تضمن دخول الشمس مع تحركها خلال النهار، والثالثة للحماية ولرمي السهام في حالة الدفاع عن القصر

الزخارف ايضا اتخذت اشكالها من نباتات تلك المنطقة وكانت تطبع بواسطة قوالب خشبية على قصارة الجدران مباشرة

اما بعض السقوف فقد ازدانت بلوحات زخرفية بسيطة تتكون في معظمها من اشكال هندسية بحته

فعلاً ... فقد ابدع الاموين في نظام الانارة

فكانت فتحة النور تدخل مباشرة الى السقف والاخرى الى أرضية القاعة

كل نقطة لها جماليتها بحيث تجعلك تقف عندها ولا ترغب فى المغادرة

من روعة التصميم وبساطة التشكيل

وكل نقطة فيه لها جماليتها تجعلك تقف عندها ولا تريد ان تغادرة

حتى أبناء المنطقة أخبرونا انهم كل مامرّوا من امام الخرانة ، لابد أن يقفوا عندها للزيارة

ادارج .. اقواس .. عقود... اضواء وهواء وسط صحراء

توصلك قدماك من غير دليل إلى الطابق العلوي حيث تكشف لك جدرانه عن أسلوب العمارة بشكل مبسط وجميل وكأنها تقول : إبدع واترك أثر للقادمين

وتسرير هنا وهناك وكانك تبحث عن سر في داخل الخرانه
وتعتقد انك الوحيد فيه ولا يزوره غيرك وسط الصحراء

ليفاجئك صوت اقدام تعتقد في البداية انها اصوات الاموين ما زالت هناك
وماهي الا اصوات سياح لم يعرفوا العربية الا انهم سمعوا عنها و اتوا من مسافات بعيدة فقط لانهم سمعوا عن هذا القصر

ولكن أسماء من زارها ... ( فواز ، خالد ، سلمان ، الخ ..) لم يغادروها قبل أن تلعثم بصمات أيديهم جمال صمت المكان

حجارة واطراف عقود تجعلك تبحث عن اثارها هل كانت تحمل قوس حجري ؟ فان كان حجري فاين هوا؟

وتتابع رحلة استكشافك للمكان وكانك تشعر انك تدور حول نفسك ! فكل قاعة تشبه الى حد كبير الاخرى وكل شباك يطل على الساحة

لتقرر ان تعود الى الساحة الرئيسة من الدرج الاخر ليشهد انك زرته يوما ما

وتترك الطابق العلوي وتهبط على اطراف النور

فعلا ... انه مكان فريد

خصوصة ان رفيقك اليه صديقك الصادق

وتقرر بعدها مغادرة الخرانه وأنت تعاهد نفسك أن تعود إليه مع من احب قلبك

تتحول بنظرك للوراء .. تعاهد المكان على أن تعود اليه يوما .. لابد ان تعود
نعم لا بد ان اعود مع من احببت

وتودع المكان وتسير

الا ان المفاجئات لم تكتمل وحتى في وسط الصحراء ... فتسمع من بعيد من ينادي باسمك بصوت تعرفه وتعرف صاحبه قبل ان تلتفت الية وترى ...! وتتعجب ...!
حمزة هنا
!!!!
فعلا ما اجملك يا بلادي وما اروعها من رحلة

وتدور خلف السياج وعيناك لا يغادران المكان

من كل جوانبة

وتعيد العهد بينك وبين نفسك سوف اعود مع من احببت يوماً

عدسة وحرف
عبدالرحيم العرجان
حزيران 2008
في حالة الاقتباس يرجى ذكر المصدر
كتبها Abdalrhem Alarjan في 08:57 صباحاً ::
الاسم: Abdalrhem Alarjan
